هزائم مقدّرة علينا وأخرى نختارها

أكثر ما أحبّه في جان بول سارتر هو معارضته للتحليل النفسي، الذي يكاد أن يرفع المسؤولية عن الوعي الذي يقارنه، حجماً وأهميّة، بالنسبة إلى اللاوعي، بالطرف الذي يبدو على سطح الماء من جبل الجليد وضخامة ما يبقى منه مختبئاً تحت الماء. وإعفاء الوعي من معظم المسؤولية عند فرويد يشبه ما يفعله به التديّن السطحي، الذي يعلّق الفرد فيه مسؤولية أمور دينه تارةً على جلباب رجل دين وطوراً على شعائر أفرغت من معانيها ومراميها. وعلى النقيض من هذين ما يصرّ سارتر عليه؛ من أن الحرّية، التي هي جوهر الإنسان، هي مسؤولية فرديّة واعية، لا هروب مبرّراً منها إلى لاوعي باطني أو إلى «مرجعيّة» دينية أو شاكلهما.
وإذ يرفض سارتر، القائل «الجحيم هو الآخر»، استخدام أعذار كهذه عن تحمّل واعٍ للمسؤولية الفرديّة، يحذّر قارئه ممّا يحصل له عندما يجد نفسه بين جماهير مستثارة تندفع على أجنحة الخوف من الفناء. فيجد سارتر أن التهديد بموت حقيقي، أو تبثّه الشائعات، من شأنه أن يحمل الفرد على الانخراط في سلوك غوغائي وكأنه «رجل ثالث» أو «آخر ضمن آخرين» مبتعداً عن جوهر كونه فرداً واعياً حراً ومسؤولاً .
ولأن سارتر عاش في زمن لعب فيه الالتزام الأخلاقي دوراً أكبر نسبياً ممّا يلعبه حالياً، فهو رأى أن هذا التعليق لمسؤولية الوعي تكون في مواجهة التهديد بالموت ولم يذكر أن الشعور بالقوّة، أو بالقدرة على الاستقواء على الغير، قد يكون لهما تأثير مماثل.
كذلك، من شأن أمور كالهيمنة الإعلامية، وما تستخدمه من أدوات جاذبة، بالإضافة إلى الرشوة، أو إلى التحيّز للمنتصر، أن تخدّر الوعي بدرجات متفاوتة. فهذه حالات قد تحمل الفرد على مغالطة وعيه أو إخراسه أو «بيعه» هرباً من ثقل مسؤولية تجبره على مواجهة تحرمه ممّا يغريه أو يرغب فيه.
وقد يرتئي من هم أقلّ التزاماً بما يحتّمه عليهم جوهرهم أو أخلاقهم بأن يتجاوزوا هذه المسؤولية لمجرّد الالتحاق بمن يسعون إلى أن يشبهوهم، أو لأن يبتعدوا عمّن يودّون ألّا يشبهوهم، مهما سخفت أسباب أيٍّ من الخيارين ومهما ابتعدت بهم عن إملاءات العقل الواعي أو الفطرة (السليمة).
ذكّرني بمقولة سارتر عن هذا التفاوت في نوعية السلوك ما يطالعني كل يوم على محطات التلفزة وفي الصحف وفي الحوارات مع الناس ممّا يبدو لي أنه تعامٍ عن الحقائق وهروب من المسؤولية في توجيه اللوم على الخراب والقتل وفي إيجاد الأعذار للفاعلين. وإذ تداعت في ذهني حالات مشابهة لما وصفه الفيلسوف الفرنسي الوجودي بدقة مقنعة، وجدت أنه قليلاً ما يطالعنا هذه الأيام قول أو موقف يبدو منه أن صاحبه يحتفظ بوعيه الفردي بلا شوائب غوغائية أو مغرضة، ولو على سبيل الفكاهة، مثل من كتب: «الجيش الأميركي يحتل أرضنا ويقيم قواعد في سوريا، والجيش الروسي لديه قواعد في سوريا، والجيش التركي يتحرك في الشمال، والجيش الصهيوني احتل أراضي جنوب سوريا، والجماعة يناقشون الخطر الإيراني!».
أمّا السلوك الذي يكاد يسود وينبئ عن غياب تامٍ للوعي، فهو ما نراه في أغلبية تناصب العداء لطوائف وأعراق تجتمع معها في بلد واحد ويجمعها معها مصير مشترك، وخاصة بعد تصريح الأعداء ومسانديهم أنهم ينوون تفتيت البلاد في منطقتنا إلى دويلات طائفية وعرقية متناحرة تهيمن إسرائيل عليها.
فإن قُيِّض لإسرائيل أن تهزمنا بسبب تفوّقها عسكرياً بفضل سلاحها الجوي وسيل القنابل الذي يأتيها يومياً، فلماذا نمنّ عليها بانتصارات مجانية عن طريق تبنّي الولاءات والعداوات التي تناسب خططها وتنسجم تماماً مع ما تسعى هي ومساندوها إليه؟! فهل يعقل لمواطن واعٍ ومسؤول أن يتعمّد الانحياز إلى ما يحقّق أهداف أعدائه ويؤدّي إلى القضاء على الوطن الذي ينتمي إليه؟ لا شك أننا نحتاج إلى منبّهات توقظ الوعي النائم عند كثيرين منّا، وحبّذا لو ترفد صحوتنا شجاعة وضمير حيّ يحملان الغافلين والمتعامين منّا على الاضطلاع بمسؤولياتهم الذهنية والأخلاقية والوطنية.
